مقالات

أنا الأعظم

أ.د. محمود سطوحي

هناك شعار سائد في المجتمعات البشرية بلا إستثناء…إنه شعار “أنا الأعظم”.. سواء أكان منطوقا أو خافتا صامتا غير منطوق..فالكل يسعي للتفوق علي الغير منذ الصغر ختي النضوج وبلوع الكبر…لا شك أننا جميعا تنتافس من أجل التفوق والجودة وأن نكون حقا الأفضل في أي عمل نقوم به وخاصة ذلك الذي يمثل شخصيتنا الأساسية ووجودنا الوظيفي في المجتمع..وغالبنا لا يكتفي بتطوير نفسه والوصول لأقصي ما يمكن لكنه يسعي للتفوق علي الآخرين..ويتحقق سعيه عندما يصل لأي منصب يكون له فيه نوع من التميز والسيادة علي الآخرين…وهذا لازال حق مشروع طالما يتم في إطار التنافس الشرعي الشفاف وفي ضوء معايير موضوعية نزيهة ومعلنة…وفي إطار ممارسات راقية تحترم الغير و لا تلجأ لأساليب غير شريفة مثل تشويه سمعة المتنافسين أو إدعاء ماليس حقيقيا..وهذا الموجه السلوكي يكاد يكون موجودا في كل البشر لكن بدرجات متفاوته في اليقين بمفهوم الموجه..
البعض ينجح حقا في الإستجابة لهذا المحرك ويحقق نجاحا في الوصول إلي مركز أو موقع يجعله يحس بهذا بتحقق هذا المفهوم ويسعي دائما في كل تصرفاته لأن يجسد هذا المعني علي أرض الواقع فنجد طريقة حديثه وطريقة لبسه وحتي مشيته قد تغيرت كي يتأكد من تحقق فكرة أنه الأعظم…وهذا التحول السلوكي ليس بلا شك في صالح هذا الفرد ولا في صالح المجتمع المحيط…ولكن ماذا يفعل هذا الشخص المسكين…إنه لو لم يفعل ذلك لربما إستهتر به العامة ولربما أحس أنه لم يحقق شيئا وهذا غير الخقيقة وغير ما يبتغي…هذا الشخص قد يهاجمه هاجس أنه لو لم يؤكد معني أنه الأعظم لربما إنتفت صورته من الوجود المجتمعي ولربما أصبح أضحوكة يتلاهي بها الناس..
وعلي قدر هذا السياق الوجداني الصعب يكون هذا الشخص في مفترق طرق..الطريق الأسهل هو أن يحاكي ويماثل ويلعب دور الأعظم والطريق الآخر أن يستمر في حياة البساطة والتواضع فيكون فريسة لمن يريدون القفز علي مقعده فيتقربون منه نفاقا وزلفي حتي يستطيعوا الإستحواذ علي جزء من السلطة التي ترفع عنها وهو في طريق البساطة والتواضع..وهؤلاء قد ينشدون له أهازيج العظمة حتي يعود مرة أخري للإمساك بصولجان السلطان…وهم يفعلون ذلك..ليس حبا في السلطان إنما لأنهم فقط يريدون أن يحسوا بقدرتهم علي تحريك صولجان السلطان لمصلحتهم…وأمام هذا المفترق الصعب حقا يكون الإختيار خاسرا…فلا الإستسلام لوهم العظمة ولا الإستسلام لنفاق ودهاء المتطفلين يحقق حقا كينونة الإنسان..
هناك إذن إختيار ثالث بعيدا عن هذا المفترق الصعب..ولا يمكن التوجه نحو هذا الإختيار قبل إصلاح مفهوم “أنا الأعظم”. فهذا المفهوم أولا هو مفهوم نسبي وليس مفهوم مطلق..ليس معني هذا المفهوم أن أكون الأعظم في كل شيء والأعظم في كل وقت والأعظم علي الجميع…ولكنه يجب أن يكون مفهوم نسبي محدد في سياق جد محود وقد يتغير من لحظة أخري..فقد أكون الأعظم في موضوع ما في لحظة محددة وبالنسبة لمجموعة من البشر..فإذا تغير هذا السياق تغير وضعي لكن لم يلغي وجودي وعلي أن أطيع قواعد اللعبة مهما تغير وضعي..فقد يتغير الموضوع وقد تتغير اللحظة وقد يتغير الأشخاص فلا أصبح الأعظم…
الأمر الثاني أن فكرة العظمة ربما تكون فكرة مهيمنة علي الوجدان المجتمعي ونحلم بها في عقلنا الباطن ربما دون أن نسفر عنها وقت الحلم ولكنها تتجلي ربما بصورة فظة وقت تحقيق الحلم..فكرة العظمة قد تكون مرتبطة في عقولنا بقهر الأخرين والذين قد يمثلون في عقلنا الباطن تهديدا لوجودنا وفكرة العظمة قد تعني الرد العاطفي وأيضا المنطقي للرد علي هذا التهديد..فالسيطرة علي الآخرين بسيادتهم تعني القضاء تماما علي هذا التهديد…ولهذا السبب ربما يسعي الملوك في كافة أرجاء العالم لتمديد سلطانهم حتي بعد زوال ملكهم لأن إنحسار سلطانهم يعني بكل بساطة تهديد وجودهم…لذا يتشبث هؤلاء بسلطانهم بشراسة لأن المساس بسلطانهم هو معركة حياة أو موت.
وتأتي صعوبة إختيار الطريق الثالث من أنه الطريق الوحيد الذي يحتاج مزيدا من العمل وهو ما لا يتطلبه الإختيار الأول والثاني حيث أن كلاهما هو فقط تمديد للأمر الذي وقع وهو واقع السلطان سواء بفرض شخصية السلطان الجديد وإستثمار نتائج الوصول لهذه النقطة..فما هو الطريق الثالث وماهو العمل الذي يحتاجه…؟؟
الطريق الثالث هو ترجمة ما نعتقده أنه عظمة في صورة عمل عظيم راقي…هذا هو التحدي الذي لا ينجح فيه إلا النادرون..ذووي الثقة في أنفسهم وفي مصداقيهم..وهم بذلك مطالبون يوما بعد يوما في إبراز عمل جديد فإذا تحقق بحثوا عن عمل آخر وإذا وصلوا لمرحلة الإشباع أو لنقطة عدم القدرة علي الإقناع والإمتاع تركوا المسرح ومرروا دفة السفينة لمن يستطيع المواصلة وهم في أمان من الإستئصال الوجودي حيث تشفع أعملهم لهم بالخلود في قلوب من فتحت لهم هذه الأعمال طريق الحياة…وبذا قد يترك هؤلاء مقعد السلطان وهم في كامل الرضا والأمان لما حققوة ولأنهم لم يستغلوا سلطتهم أبدا..
وهذا يناقض تماما الوضع علي الضفة الأخري فهؤلاء الذين أساؤوا مفهوم السلطان سواء كانوا طغاة أو مستغلين من طبقة الحاشية وجمهور المتسلقين وجوقة المنافقين سيكون من الصعب عليهم ترك مقاعد وصولجان السلطان لأنهم لم يتصوروا وضعا لحياتهم أدني إجتماعيا من هذا الوضع..
وربما يفسر هذا السياق النفسي سلوكيات بعض من يتبوأوون مراكز قيادية في حياتهم الوظيفية حيث يميلون أما للبحث عن وظائف قيايدية أخري ويميلون لرفص القيام بأي دور غير قيادي فيبتعود وينزوون حتي تصل صورتهم وهم يمسكون بصولجان السلطان لا زالت معلقة علي الجدران وعالقة في الذكري والوجدان..وتأكيدا لذلك نجدهم يتمسكون علي الأحري بمنطوق وظائفهم القيادية القديمة في تعاملاتهم وكأنها الدليل الوحيد علي وجوده وعلي هويتهم..ويشعرون بالرضا عندما يناديهم البعض بمسمي تلك الوظائف القديمة أو أعلي منها..يالها حقا من مسرحية هزلية تتم بإستمرار وتواصل وإصرار …حيث أن مؤلف هذه المسرحية هو الثقافة المجتمعية المتوارثة عبر أجيال من القهر والنحر كلها تقدس السلطة وتتخاف منها وتتقي شرها بأن تتركها دائمة ملكة القلوب وسالبة العقول..
مقولة ومحرك “أنا الأعظم” يجب أن يحدد وينقي معناها منذ الصغر بحيث نكون أعظم ما يكون في موضوع ما في لحظة ما وليس معناها السيادة علي الآخرين…ومن يستهويه هذا الشعار عليه أن يفعله دائما بمزيد من الأعمال وفي إطار أعمال الآخرين حتي يشترك الجميع في الإبداع والإبهار في إطار ملحمة البقاء البشري..

19 مارس 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى