مقالات

رمضان كريم و الله أكرم …

نادية ابراهيم القيسي

عندما تهل بشائره … فيدنو و يقترب … يُذوب القلب الحنين … تشتاق الروح .. محملة بقديم الذكريات لتفاصيل ملأها الفرح … و ضحكات ذوى صداها على مر السنين مع ومضات لطفولة عبثية ببراءة ما زالت بعض أطيافها للآن في ملامحنا حية برغم مشيب الشعر … تقدم العمر و فراق الكثير من الأحبه و الأهل. سيهل بعد أيام قليله خير الشهور و أجملها في بلاد الاسلام … شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن … شهر الرحمة و المغفرة … شهر العتق من النار. الشهر الفضيل الذي كان لنا فيه أجمل ذكريات الطفولة .. بين محاولات الصيام .. و شربة الماء التي لا تفطر الصغار … لتلك المكافآت القيمة إن أتممنا يوماً في الصيام … للبيت الدافيء الذي يتحول لخلية نحل منشغله لتحضير ما يطيب من المأكولات و يُقسم منه دوماً نصيب للجيران فتجد الموائد عامره بالمحبة و المودة المتبادلة قبل أطباق الطعام. كانت مهمتنا العظمى أن ننتظر صوت مدفع الإفطار .. لنركض ببهجة مبشرين أهلنا بحلول وقت كسر الصيام … ثم لنتسابق على كؤوس المشروبات الرمضانية و تذوق ما لذ و طاب لنلتهم من بعدها الحلويات المفضلة بشراهة مفرطه كالعادة. طفولتنا في رمضان … كانت بين الفوانيس … الفوازير .. و ”المسحراتي” … التفاف العائلة … تعزيز صلة الرحم و ازدياد التقارب الأسري مع تجلي معاني البر و التقوى. كانت الحياة وقتها أكثر بساطة و أقل تعقيداً في أعيننا … فلم نكن ندرك وقتها … ما هي المسؤوليات المتراكمة و الهموم التي تثقل كاهل الأبوين … ما بين سعي كل منهم بطريقته في تحمل أعباء الأسرة .. و تأمين احتياجاتها المختلفة … و لكن ها نحن ذا …جاء دورنا كبرنا و أصبحنا آباء و أمهات … و أرباب أسر … أصبح يؤرقنا التكاليف .. المصاريف و غلاء المعيشة و ما يؤثر عليها و بالتالي علينا من معضلات محلية و عالمية كالحروب و الأوبئة التي تسببت في الآونة الأخيرة بارتفاع هائل في أسعار السلع و خاصة المواد الغذائية نتيجة ارتفاع أسعارها في بلد المنشأ … مع وقف بعض الدول تصدير سلع غذائية معينة بالإضافة لتعطل بعض سلاسل التوريد التجاري و بالتالي ازدياد أجور النقل و الشحن بسبب جائحة كورونا و من ثم تفاقم الوضع سوءًا بارتفاع أسعار النفط و تبعات ذلك على كل القطاعات الاقتصادية و التجارية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية بالاضافة للتأثيرات الاجتماعية و تراجع المساعدات الانسانية و التبرعات على كافة المستويات حتى على المستوى المحلي و في الجمعيات الخيرية و اللجان المحلية مما أدى لتراجع مقدرة هذه المنشآت على تقديم المعونات و منها الغذائية بسبب تراجع التبرعات و المتبرعين. كل هذا ساهم و بشكل كبير بزيادة الأعباء المادية و الاقتصادية على الأسر متوسطة الدخل و ازدياد معدلات العوز و الفقر محلياً و عالمياً.

لقد تغيرت حياتنا … انقلبت موازيننا .. لم نعد أطفالًا .. نحيا بواقعٍ مليءٍ بالأحلام الوردية … ننسج فيه ذكريات لماضٍ سحيق .. ببلاهةٍ ظنناً منا أنه لن يتغير … و سنبقى و يبقى كما نحن و كما هو دوماً … لكننا فقدنا الكثير منذ ذلك الوقت .. فقدنا السند .. المحبة … الترابط فما بين رحيل و موت لم تعد تجمعنا مائدة رمضانية و لا خطوات تأخذنا لصلاة التروايح سويًا أو تجمعنا زيارات عائلية حميمة كما اعتدنا. تفاقمت صعوبات الحياة … و أصبح العالم أكثر قسوة … أنانية عنصرية و أقل إنسانية. لكن مع كل ذلك الأسى على ما فات و ما يحدث في هذا العالم من متغيرات و تقلبات يبقى لقدوم شهر الخير بهجة المؤمن الذي لا يقنط .. لا يهن و لا يحزن فشهر رمضان هو شهر الرحمة من رب العباد .. الذي رحمته وسعت كل شيء و فاقت كل تدابير البشر .. مكائد الشر .. و تفاقم المحن ..
فأهلاً بك يا خير الشهور … يا بلسم القلوب … يا من بكرمه سبحانه و تعالي تغفر الخطايا و الذنوب فلنكن من مفاتيح الخير في هذا الشهر الفضيل و نمد بما يستطاع يد العون لكل ذي حاجة من قريب أو بعيد … نستذكر بالفعل قيماً تربينا عليها … نطبق ديناً سمحاً كما أمرنا … نفرح قلوبنا أثقلت الدنيا عليها … أقلها بابتسامة صادقة و دعوة باذن الله مستجابة .. صلة رحم .. تفقد جار … البعد عن الشحناء و البغضاء … فالصيام عبادة تتجلى فيها حسن الأخلاق. اللهم بلغنا رمضان بلوغاً يغير حالنا إلى أحسنه .. يهذب نفوسنا …يطهر قلوبنا … بلوغاً لا فاقدين و لا مفقودين يا رب العالمين و أسبغ اللهم علينا فيه رحمتك و مغفرتك و اعتق رقابنا من النار أجمعين يا أرحم الراحمين. و الله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى