آدب وفنون

فى ميدان الفن ……الفن بين ڤان جوخ وأبو الجوخ

الفن بين ڤان جوخ وأبو الجوخ !

بقلم د\ ايهاب الملاح

كنت فى الخامسة ربما من عمرى أو أقل , وفى الطريق للروضة جذبنى مشهد الرسام بمعطفه الأبيض فوق السقالة فى الشارع , يرسم شعار المجلس الأعلى للشباب والرياضة ساعتها على واجهة النادى الممتدة . رسم الرجل وجهين جانبيين ” بروفيل” لشاب وشابة .. قلت لأمى ساعتها : عاوز لما أكبر أبقى رسام .. وأخبرت أمى أبى بذلك على نحو من الجد , كأن طفلها البائس قد استنطقه شيطان زين له الفنون على حداثته الساذجة .. قال أبى : لن يكون , لأن الفنانين بيتعبوا فى حياتهم !..
وتأملت أنا حسم أبى وتأنفه من ذلك الفن , محاولا فهم منطقه غير أنى لم أفهمه .. ثم ألقى بى حتفى بعد سنوات فى كليات الفن , وتلقفتنى السنون , حتى أيقنت صدق أبى وأدركت ضيق أمى برغبتى الحمقاء .. لكن أيضا ولعل شيئا أعظم من هواجس أبى وأمى أرغمنا جميعا على هذا القدر .. ولعل حادثة كالفنان الذى رمقته يرسم ويلون ببراعة فوق السقالة , لعل حوادث مثلها أوغيرها ألهمت جل زملائى لخوض هذه المسيرة المجهدة جدا ..
الفنانون التشكيليون فى العموم ثلاثة صنوف .. منهم من يعمل فى العمل الحر وهم الأغلب , بلا دخول ثابتة ولا ضمان يؤمن حاجتهم وقت الضيق .. والقسم الثانى مدرسوا الرسم بالمدارس وموظفوا الحكومة فى الهيئات والوزارات التى تحتاج الرسامين والمصممين وخلافه .. والقسم الثالث وهم الأقلية , أساتذة الجامعة الذين ينفقون عشرات السنوات للحصول على درجة الأستاذية , من أجل راتب يحتاز أضعافه مأمور ضرايب مثلا , أو من أجل مكافأة فى سن المعاش تعد ربع مكافأة صول فى البوليس !!.. نحن غلابة صحيح , لكننا فى المقابل راضون كأصحاب الملايين والمليارات , معتدون بأنفسنا كأننا وزراء أو سفراء أو صولات فى البوليس .. جبلنا على الكبرياء , ورزقنا عزة النفس ..
عذرا لتلك المقدمة الطويلة .. وعذرا لأنى لم أنشر هذه المقالة فى صفحات الفن والمبدعين .. لا لشيئ سوى أنى أدعو الجميع لمشاركة الفنانين التشكيليين فى أزمتهم الحالية , أزمتهم فى نقابتهم المرتبكة , تلك النقابة التى كانت هى الأمل الأوحد لعرض مشاكل المبدعين على دوائر القرار , فكان ما يرجى من هذه النقابة أن تكون بيتا لكل من امتهن هذه المهنة المضنية .. توفر معاشا لائقا , ورعاية للمرضى , وتشغيلا للخريجين , وعونا للمتعطلين بعد الأزمة الإقتصادية والجائحة ..
لمن لا يعلم .. معاش الفنان التشكيلى فى النقابة سبعين جنيه !!.. نعم , سبعون جنيها مصريا فقط لاغير .. حالما قالت النقيبة بأنها فى الطريق منذ عامين لزيادته .. لكن لم يحدث أن زاد جنيه واحد , بينما السيدة رايحة جاية تتصور وتتقمع , وتعمل احتفالات ومهرجانات وهدايا وتكريمات من أموال الأعضاء إللى معاشهم سبعين جنيه !..
قلت لكم سالفا إن الفنان حساس معتد بموهبته رغم حاجته .. تقوم السيدة النقيبة فى بدايةعهدها تدعو الفنانين ييجوا النقابة ياخدوا كراتين صدقة تبرع بها أحد فاعلى الخير , وفى كل كرتونة صابونة وكيس رز وعلبة ورنيش شفاف عشان تمشى مع لون أى جزمة .. طبعا محدش راح , وشالله الفنانين ما كلوا رز , ولا لمعوا الجزم , ولا استحموا بالصابونة .. لكن أيضا أمرت النقيبة بتصوير الكراتين فى لقطة تاريخية أمام دار النقابة الغراء ونشروا الصور فى كل مكان !.
مجمل سيرة هذه النقيبة تتعلق بإحراج الفنانين , وكل هدفها كما اتضح هو التصوير والدعاية لنفسها .. المهم , اعترض أعضاء النقابة على هذا الذى مثل إحباطا حطم كل آمالهم إزاء وعود النقيبة فى برنامجها الحافل بالخزعبلات .. قوم إيه ؟!.. النقيبة تسلط عليهم واحد – لامؤاخذة – صاحبها يشتمهم على صفحات النقابة بأقذر السباب التى تليق بها وبه .. قوم إيه ؟!.. يعترض أعضاء مجلس النقابة بمن فيهم الوكيل على تلك الممارسات التى لا تصح مع من هم محسوبون على مسيرة الثقافة والإبداع .. قوم إيه ؟!.. يروح أحد الأعضاء المنتخبين دار النقابة التى انتخبته , تروح المدام مسلطة عليه واحد من العصابة يطلع يضربه ويرميه حرفيا بره نقابة أبوهم إللى ورثوها , حسب الفيديو الذى نشرته السيدة تنكيلا بالعضو وترهيبا للجميع .. يقوم مجلس الإدارة رافع قضية , والقضية تتأجل , تقوم المدام عاملة للمجلس محضر , كلا بإسمه .. ولا تكتفى , فتوقف معاشات فرع المنصورة , بحجة إنهم فى المنصورة مش محتاجين وبيطبخوا بسمنة بلدى !.. بينما نازلة مصاريف وديكور ودهانات وحفلات وجاتوه وبسبوسة من الصمدى يشاع أنها أيضا بالسمن البلدى , رغم أن الحلوانى فى قلب العاصمة .. تقوم أمينة الصندوق بعد استشارة مجلس الإدارة والسيد الوكيل , مجمدة حسابات النقابة بالبنوك , تبرئة لذمتها , وإلا تروح فى داهية وتتسجن , وفى الحبس يسألوها جاية فى إيه ؟ .. تقولهم جاية فى ساليزونات وسيسرول وزلابيا سخنة بالسكر !!.. قوم إيه ؟!.. تروح الست النقيبة فاصلاهم جميعا !!.. تخيلوا .. تفصل فى جلسة صورية اتناشر عضو مجلس إدارة منتخب .. نعم , إثنا عشر عضوا منتخبا بالتمام والكمال .تفصلهم قال ليه ؟! .. بحجة الغياب المتكرر . مع ملاحظة إنها جايبة عصابة وبلطجية وعلى الله حد منهم يهوب .. إثنا عشر عضوا محترما اتفصلوا فى دقيقة .. على رأسهم السيد الوكيل .. الراجل الكبارة المحترم الأستاذ الدكتور ورئيس القسم ورئيس قطاع الفنون الأسبق حتة واحدة .. فصلته وهى قاعدة تضحك وتشرب حلبة حصى سكر زيادة مع نفرين تلاتة من حبايبها ..
صرنا مع تلك الفضايح كفنانين ومثقفين حدوتة تثير إحتقار الناس .. عارف .. وصرنا كمتخصصين واساتذة جامعة محل سخرية إللى يسوى واللى مايسواش .. برضه عارف .. لكن أيضا القصة لم تكتمل , والقادم أرحب .. ستعود النقابة للأولادها .. وسيعود الفنان خادما لمجتمعه عندما تتوفر له وسائل الرعاية ومناخ التقدير .. وسيكون شأن آخر .
نحن إذن أيضا أمام اختيارين , إما أن نسلم هذا المبنى وأرصدته لهؤلاء المشبوهين حاضرا وسيرة .. وإما أن ننتزع الحق انتزاعا مهما كلف ذلك ..
أنا بالتالى ككاتب وكمثقف مصرى وعضو فى مسيرة الإبداع وأحد المهتمين بالفن وإرساء القيم الجمالية فى هذا البلد الكبير .. أدعو زملائى المحترمين فى المجلس المستبعد لممارسة حقوقهم فى التواجد بدار النقابة , واستئناف اجتماعاتهم تلبية للواجب المنوط بهم وإنفادا لنتائج الإنتخابات الأخيرة , رغم أنف النقيبة المتعنتة مع الجميع حبا فى الظهور ومجالسة المسؤولين ليس إلا , على انعدام موهبتها ومحدودية تجاربها الفنية ومع الشبهة التى أدت لخروجها من وظيفتها الجامعية كما هومعلوم .. كما أدعو الجمعية العمومية الموقرة لمساندة المجلس المقال زورا , حالما توجه مجتمعا لدار النقابة .. وأدعو كلا من أعضاء النقابة مع المهتمين بالثقافة والإبداع والفنون لمؤازرة هذا الحراك فى تلك اللحظات الفارقة , وأدعوهم مع ذلك لتسجيل بث حى من أمام دار النقابة لنشر قضيتنا العادلة .. التى لو انتصرت ستنتصر للمعوزين الذين أسهموا فى بناء ذوق هذا المجتمع وثقافته , وستنتصر لمستحقى المعاشات الذين لم يبق لهم سوى تلك الجنيهات ورجوا أن ترتفع لسد الحوائج , وستنتصر للمرضى الذين أنهكتهم الآلام غير أن كبرياءهم لازال عافيا شمخا .. إفعلوها لتلقوا بها الله , إفعلوها إحتراما لذواتكم , إفعلوها حسبة للإنسانية والقلوب الغضة .. يدا قوية , قلبا واحدا , عقلا راسخا , نية خالصة .. أما أنت ياسيدتى , فاعلمى أن الله أكبر , وثقى بأن الحق لا يستمال , وكونى ومن معك فى ذمة الحانقين , الذين وثقوا بك يوما أو ساعة , ستصيبك دعوات هؤلاء الحيارى حين شملتهم تلك الأزمة بلا جريرة . وستباشرك لعنات كل من تجاوزتم فى حقه وكل من حجبتم أرزاقهم فى لحظة حقد , أللهم يا خير الماكرين , لن يلتبس الحق , أللهم لن تستوى الظلمات فوق النور كما أخبرت .. أللهم قوة , أللهم عزما , أللهم اعتصاما على حبلك المتين .
إيهاب الملاح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى