المزيد

فلسفة الجدل وفن المحاورة

د. عادل القليعى
نبدأ حديثا بطرح سؤال وسنحاول أن نجيب عليه،هذا السؤال هو،هل الفلسفة جدال؟!!.
للاجابة علي هذا السؤال ينبغي علينا أن نقدم تعريفا للجدل:فالجدل هو فن المحاورة وكيفية استنباط الافكار من خلال الدخول في حوار بناء مع الآخر ، أيا كان موضوع المحاورة ،فقد تكون المحاورة فلسفية مع أهل الفلسفة ومحبيها،وقد يكون الحوار عقائدي حول الاعتقاد والمقارنة والمقاربة بين الأديان مثلا -بما يسمي بالمناظرات.
وقد يكون الحوار ثقافي بين الأدباء او النثار او الشعراء-كما يحدث في الصالونات الثقافية -من خلال عرض قصة قصيرة او ديوان شعري،او تحليل كتاب حتي-وقد يكون الحوار علي مستوي جماهيري عامي .
كأن يتحاور مجموعة من عوام الناس مع بعضهم البعض حول مشكلة من المشكلات العامة -كمشكلة البطالة مثلا.
وقد يكون الحوار علي مستوي محدود،اي عن طريق عقد ندوة محدودة العدد،يلقي المتحاور بكلمته او يطرح فكرته ثم تدور بينه وبين الحضور نقاشات كثيرة.
وقد يكون الحوار علي مستوي واسع كما يحدث في الملتقيات والمؤتمرات الثقافية كملتقي الشباب الذي يطرح قضايا الشباب ويناقش همومهم ويدور الحوار بطريقة منتظمة عن طريق عرض الرأي وقبول الرأي الآخر.
وقد يكون علي مستوي أسري بين الزوج وزوجته،او بين الأب وابنائه.
وهذا ما يمكننا ان نطلق -ان جاز لنا-نطلق عليه الجدل البناء الذي يعتمد علي فرضيات ومقدمات تخضع للمناقشة من اجل الوصول الي نتائج تفيدنا في واقعنا المعيش علي كافة الاصعدة والمستويات سواء السياسية او الاقتصادية او العلمية والثقافية والاجتماعية وهذا بدوره يؤدي الي نهضة شاملة نحلم ونصبو اليها دوما.
إذا الجدل البناء المنهجي هو الذي يقودنا الي الوصول الي نتائج من الممكن من خلال مناقشتها مناقشة موضوعية نصل الي غاية مرامنا.
فالجدل هنا المقصود به الحوار وهذا لامندوحة عنه فجميعنا يقبله دون افراط اوتفريط ،وهذا من وجهة نظري هو الجدال المحمود.
أما الجدل المرزول فهو الجدل المذهبي الذي يقوم علي اللاوعي واللامبالاة والتعصب الأعمى البغيض لفكرة ما او لمذهب ديني ما كما رأينا ذلك عند الشيعة وغلاتهم يدخلون في مناقشات ومحاورات مذهبية لا طائل من وراءها اللهم الا اثارة الفتنة بين الناس ولا تخرج من حواراتهم الا بالتعصب الأعمى .
وكذلك ما رأيناه عند الخوارج في حوارهم مع واصل بن عطاء عندما مر علي ديارهم -وكان الذي يمر علي ديارهم وليس علي شاكلتهم ينكلوا به بعد دخولهم في حوار معه ويسألونه عن عائشة والصحابة واذا ثبت انه يدافع عنهم ينكلون به ويقتلوه .
اما المشرك المستجير يتركوه بل ويظلوا معه حتي يبلغ مأمنه،وهذا ما فعله واصل بن عطاء معهم عندما استوقفوه قال لصحبه دعونا اتحدث انا معهم،قال لهم مشركون مستجيرون فاجيرونا.
إذا هذا جدل أعتمد علي المغالطات المنطقية بمعني ان واصلا ادعي انه ليس من اهل التوحيدفتركوه يمر ،واهل القبلة الذين يحبون آل البيت والصحابة ينكل بهم.
هذا هو الجدال الهدام الذي لا يؤدي الي الوصول الي الحقيقة
وهذا هو المنهي عنه ترك الجدال ولو انت علي حق.
وقس علي ذلك ما يحدث الآن من جدالات قد تستمر طويلا بين انصار الجماعات المتطرفة فكريا التي ترمي وتتهم الناس بالكفر بل ويصل بهم المدي الي استباحة دم من يناقشهم بعد اتهامه بالكفر.لماذا؟!.
لانه لم يسايرهم ويتماشي مع مذهبهم كالجماعات التكفيرية التي زعموا انهم حماة الدين وحراس العقيدة وانك اذا دخلت معهم في مناظرة دقيقة وموضوعية، تجدهم يتجهون إلي لي عنق النصوص للوصول إلى غاياتهم التدميرية.
مثل هؤلاء لا طائل من وراء مناقشتهم اللهم إلا النصب والتعب ومضيعة الوقت.
وكما يحدث بين الشباب وخصوصا شباب الجامعات من سجالات ومجادلات في محاضراتهم مع اساتذتهم كأن يقوم الاستاذ بإلقاء محاضرته وفجأة يقاطعه شاب أو فتاة بسؤال لا يمت من قريب ولا من بعيد للموضوع محل المحاضرة أو حتي يكون له علاقة لكن لايناقش مناقشة موضوعية بناءة وعليه أن يترك الجدال فورا.
فهذا الجدل لا ينتج عنه إلا جدلا وقد يثير بلبلة في المحاضرة وتشويش فكري لكل الحضور، فهل نتركه يستمر ام نوقفه. ؟!
أري أن نوقفه فورا، فهذا هو الجدل من أجل الجدل أو إن شئت قل جدل لا عائد ولا طائل من وراءه إلا الظهور أمام الحضور وإثبات الذات،-وليس هذا إثباتا للذات بل هو إهدار للذات، لماذا؟!، لانه قد يتهمك الحضور بالغباء أو بلفظ مهذب بالخواء الفكري والعبث والفوضي.
وهذا ما لانرضاه لشبابنا لماذا لاننا نهذب العقول ونهذب الأفكار حتي نستخلص منتج فكري راق يتناسب ويتماشي مع عصرنا الذي نحياه.
إذا نظرناوأمعنا النظر في تاريخ الجدل فمنذ بدء الخليقة حدث جدال طويل بين الأخوين هابيل وقابيل وانته الأمر إلي أن يقتل الأخ أخاه.
وكذلك إذا استعرضنا تاريخ الفكر الفلسفي سنجد سقراط مارس الجدل مع السوفسطائية مستخدما منهجيته المشهورة التهكم والتوليد من أجل كشف أغاليط السوفسطائيةلتنوير عقول الشباب الأثيني .
وكذلك استخدم أفلاطون جدلية العلاقة بين عالم المثل وعالم المحسوس من أجل تطبيق مثال الحق والخير والجمال علي الواقع .
وأيضا أرسطو استخدم الجدل مع رأس من رؤوس السفسطائية ألا وهو اقراطليوس الذي أدعي مثلما فعل جورجياس أنه لا يوجد شيئ حقيقي علي الاطلاق ،
ودخل معه أرسطو في حوار صامت من جانب هذا الرجل ، ناطق من حانب أرسطو وأكتفي الأول بتحريك إصبعه منكرا أن يكون هناك شيئ حقيقي باشارة لا، ورد أرسطو عليه أنك مجرد أن تحرك إصبعك مشيرا به، دليل علي أنك موجود.
كذلك استخدم الإمام الغزالي الجدل مع بعض فلاسفة الإسلام في الثلاثة قضايا المشهورة إنكار البعث، قدم العالم ، وعلم الله بالكليات، ليس هذا وحسب بل وتكفيره إياهم وهذا ما أرفضه رفضا تاما فليس ثم أحد يمتلك سلاح التكفير ولاينبغي أن نكفر أحدا مهما اختلفنا معه في الرأي.
أيضا استخدم هيجل الجدل في الوصول إلي المطلق (الله) ، وكذلك استخدمه اسبينوزا في نقده لفكرة وحدة الوجود عند محي الدين ابن عربي.
وأيضا استخدمه كانط في حديثه عن جدلية العلاقة بين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية وكيفية الوصول إلي عالم الأشياء في ذانها والتي من خلالها نصل معرفة الحق الأول.
الإنسان بطبيعته يميل إلي النقاش وإلي الجدال، وإلي المحاورة.
حقا وكان الإنسان أكثر شيئ جدلا، لكن لابد وأن كان حقا يبغي الوصول إلي الحق الذي يطمئن معه العقل وتهدأ به النفس عليه أن يناقش مناقشات موضوعية طارحا خلفه ما يدفعه دفعا إلي العود القهقري إلي الخلف نابذا التطرف الفكري والنزعات العنصرية التي تجعله يجنح جنوحا إلي جدل وحوار عقيم لايسمن ولا يغني من جوع ، جدل أجوف يميل إلي السفسطة، وقلب الحقائق ومجانبة الصواب.
وقد ظهر ذلك واضحا جليا من خلال حوارات السفسطائية قديما ، وكذلك من شبهات بعض المستشرقين وافتراءاتهم علي الحضارة الشرقية والحضارة الاسلامية والعربية علي وجه الخصوص وجدلهم العقيم الذي إن دل علي شيئ فانما يدل علي فقدان الأرضية الحقيقية لبناء فكر صائب يستفيد منه الجميع فكر تحيا به الإنسانية وتسعد به وتهنأ .
والأمثلة علي ذلك كثير وجورج سل ليس منا ببعيد في جدله حول القرآن الكريم وأنه من صنع البشر ألفه محمد ، وكذلك جدليته حول ترجمة القرآن وأن احدي آياته المحكمة نزلت لأهل مكة وهي قول الله تعالي (يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا) .
نقول لهذا ولأمثاله هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، نحاججكم ونقارعكم ونجادلكم الرأي بالرأي والحجة بالحجة ونقارعكم الدليل بالدليل، فلايرد علي الجدل العقيم بجدل عقيم مثله بل نرد بمنطق العقل القائم علي مقدمات نستخلص من خلالها نتائج تفيد واقعنا المعاصر .
مثل هؤلاء لا طائل من وراء مناقشتهم اللهم الا النصب والتعب ومضيعة الوقت.
وكما يحدث بين الشباب وخصوصا شباب الجامعات من سجالات ومجادلات في محاضراتهم مع اساتذتهم كأن يقوم الاستاذ بإلقاء محاضرته وفجأة يقاطعه شباب او فتاة بسؤال لا يمت من قريب ولا من بعيد للموضوع محل المحاضرة اوحتي يكون له علاقة لكن لايناقش مناقشة موضوعية بناءة وعليه ان يترك الجدال فورا.
فهذا الجدل لا ينتج عنه الا جدلا وقد يثير بلبلة في المحاضرة وتشويش فكري لكل الحضور،فهل نتركه يستمر ام نوقفه. ؟!
أري ان نوقفه فورا،فهذا هو الجدل من اجل الجدل او ان شئت قل جدل لا عائد ولا طائل من وراءه الا الظهور امام الحضور واثبات الذات،-وليس هذا اثباتا للذات بل هو اهدار للذات، لماذا؟!،لانه قد يتهمك الحضور بالغباء او بلفظ مهذب بالخواء الفكري والعبث والفوضي.
وهذا ما لانرضاه لشبابنا لماذا لاننا نهذب العقول ونهذب الأفكار حتي نستخلص منتج فكري راق يتناسب ويتماشي مع عصرنا الذي نحياه.
اذا نظرناوامعنا النظر في تاريخ الجدل فمنذ بدء الخليقة حدث جدال طويل بين الاخوين هابيل وقابيل وانته الامر الي ان يقتل الاخ اخاه.
وكذلك اذا استعرضنا تاريخ الفكر الفلسفي سنجد سقراط مارس الجدل مع السوفسطائية مستخدما منهجيته المشهورة التهكم والتوليد من اجل كشف اغاليط السوفسطائيةلتنوير عقول الشباب الاثيني .
وكذلك استخدم افلاطون جدلية العلاقة بين عالم المثل وعالم المحسوس من اجل تطبيق مثال الحق والخير والجمال علي الواقع .
وايضا ارسطو استخدم الجدل مع راس من رؤوس السفسطائية الا وهو اقراطليوس الذي ادعي مثلما فعل جورجياس انه لا يوجد شيئ حقيقي علي الاطلاق ،
ودخل معه ارسطو في حوار صامت من جانب هذا الرجل ،ناطق من حانب ارسطو واكتفي الاول بتحريك اصبعه منكرا ان يكون هناك شيئ حقيقي باشارة لا،ورد ارسطو عليه انك مجرد ان تحرك اصبعك مشيرا به، دليل علي انك موجود.
كذلك استخدم الامام الغزالي الجدل مع بعض فلاسفة الاسلام في الثلاثة قضايا المشهورة انكار البعث،قدم العالم ،وعلم الله بالكليات،ليس هذا وحسب بل وتكفيره اياهم وهذا ما ارفضه رفضا تاما فليس ثم احد يمتلك سلاح التكفير ولاينبغي ان نكفر احدا مهما اختلفنا معه في الرأي.
أيضا استخدم هيجل الجدل في الوصول الي المطلق (الله) ،وكذلك استخدمه اسبينوزا في نقده لفكرة وحدة الوجود عند محي الدين ابن عربي.
وايضا استخدمه كانط في حديثه عن جدلية العلاقة بين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية وكيفية الوصول الي عالم الاشياء في ذانها والتي من خلالها نصل معرفة الحق الاول.
الانسان بطبيعته يميل الي النقاش والي الجدال،حقا وكان الانسان اكثر شيئ جدلا،لكن لابد وان كان حقا يبغي الوصول إلي الحق الذي يطمئن معه العقل وتهدأ به النفس عليه ان يناقش مناقشات موضوعية طارحا خلفه ما يدفعه دفعا الي العود القهقري الي الخلف نابذا التطرف الفكري والنزعات العنصرية التي تجعله يجنح جنوحا الي جدل عقيم لايسمن ولا يغني من جوع ،جدلا أجوف يميل الي السفسطة، وقلب الحقائق ومجانبة الصواب.
وقد ظهر ذلك واضحا جليا من خلال حوارات السفسطائية قديما ، وكذلك من شبهات بعض المستشرقين وافتراءاتهم علي الحضارة الشرقية والحضارة الاسلامية والعربية علي وجه الخصوص وجدلهم العقيم الذي لانصل من خلاله إلا إلي عقم فكري ينتج عنه مضيعة للوقت وإهدار للجهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى