مقالات

المعقول واللا معقول صراع الأدباء


للكاتب / مؤمن المزلاوي

من خلال قراءة سريعة لعمالقة الأدب العربي الثلاث
عباس محمود العقاد توفيق الحكيم نجيب محفوظ
اتضح لي الاختلاف الكبير في طريقة تناول المواضيع
بل الأفكار والمعتقدات الفكرية والأدبية في صياغة
طرح الأمور وأن اللغة العربية لديهم لها أوجه متعددة
بعيدة كل البعد عن ما تعلمناه في المناهج الدراسية
وأن الممكن لدي البعض منهم لا يصح أن يكون ممكن
لدي البعض الآخر أو بمعني اصح لا يتماشى مع سياسته الأدبية وخريطة أفكاره النابعة من أعماق
بيئتة المحيطة به مع اختلاف بسيط في فارق الأعمار

فنجد الأديب الكبير عباس محمود العقاد
متأثرا بمرحلة طفولتة التي كانت تفرض عليه الأوضاع السياسية آنذاك في محافظة أسوان أتباع منهج للحياة أشد قسوة وأكثر مسؤولية فهو لم يعيش فترة طفولتة مثل باقي الأطفال نظراً لتخوفه الدائم
وجميع أهالي المدينة من هجوم الدراويش عليهم
مما جعل مرحلة الشباب لديه اشبة بالحياة العسكرية
المليئة بالانضباط والتحفظ ..
وقد ظهر ذلك جلياً أثناء زيارة الإمام محمد عبده
لمحافظة أسوان .. وقيامه بجولة في مدارس أسوان
الابتدائية حيث كانت تقدم المواضيع الإنشائية
للتلاميذ من أجل الإطلاع عليها وتقيم مستوي كل تلميذ ومدي تمكنه من طرح أفكاره من خلال كتابته

حيث قدم العقاد الموضوع الخاص به تحت عنوان الحرب والسلام في كفة ميزان الاختيارات لدي الإنسان وأنه شخصياً يفضل الحرب عن السلام
أستغرب الإمام محمد عبده من هذا الطرح الغريب
وكيف لطفل أن يفضل الحرب عن السلام وطلب مقابلة مع التلميذ عباس محمود العقاد
من أجل مناقشتة في هذا الأمر وعندما حضر اخبرة الإمام كيف تفضل الحرب عن السلام
فإن في الحروب خسائر وتدمير وأحيانا جرائم ضد الإنسانية ألا ترى أن السلام أفصل بكثير من الحرب
أصر العقاد علي وجهة نظره وأخبر الإمام محمد عبده
لا يوجد سلام بدون حرب في ظل عدوان غاشم لا
يفهم سوي لغة القوة وأن مواجهة الخطر بمخاطره
أشد منه لخلق معادلة متزنة سوف تجعل الحرب
في حد ذاتها هي وسيلة لنشر السلام ..
أعجب جدا الإمام محمد عبده بطريقة تفكير العقاد
وقال له بالحرف الواحد أنت ستصبح من أكبر أدباء مصر والعالم في المستقبل .. وهو ما تحقق بالفعل
فمن أجل كل هذا صار العقاد عكس كل الأدباء من خلال حرصه الشديد على إتباع قواعد اللغة العربية الفصحى ولم يعترف أو بمعني أدق لم يميل لأدب العامية أو الشعر الحر الذي كان قد انتشر في هذه الفترة في الأدب الأوروبي من خلال مدارس الشعر الحر والتخلي عن الوزن والقوافي ..
فكان دائما أكثر إلتزام بقواعد اللغة العربية ولم
يحيد عنها ابدا في كتابته واشعاره .

اما عن الأديب الكبير توفيق الحكيم ..
فقد اتخذ طريقاً آخر مختلف تماما عن طريقة تناول المواضيع الأدبية للعقاد حيث أنة أسس في أواخر
رحلته الأدبية منطق المعقول واللا معقول في تناول المواضيع الروائية والأدب المسرحي من خلال إدماج العقول الغير بشرية وإظهار مدي قدراتها علي الإقناع والإبداع
وظهر ذلك جلياً من خلال سلسلة أعماله الحمار
يقرأ والحمار يفكر والحمار يكتب ..
بطريقة أثارة ضجة كبيرة في هذه الفترة مابين مؤيد لها ومعارض وكان العقاد من أشد المعارضين لهذه الكتابات ويعتبرها تشويه للوعي والضمير الإنساني
وتفريط في في لغة المنطق وضرب في نصوص القرآن الكريم الذي ميز العقل البشري والإنسان بصفة عامة عن باقي المخلوقات على وجه الأرض ..
ولم تخرج هذه الأعمال لتوفيق الحكيم في صورة فنية إلا بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر
حيث كان توفيق الحكيم ضد الحقبة الناصرية
ويعتقد أن اشتراكية عبد الناصر أضرت بالمواطن المصري أكثر من ما قدمته من منفعة وأن عبد الناصر يعتمد على الأبواق الإعلامية في طريقة إقناع الشعب بفوائد الإشتراكية. ومدي تأثيرها بالاجابية في تغير حياتهم
ولكن رغم إبداع الحكيم في تناول الأعمال الأدبية والمسرحية من خلال طريقته الجديدة في فن اللا معقول كان دائماً يخشي رأي العقاد المتحجر من
اعمالة وكان يتخوف أن يشكل هذا الأمر حالة عاملة
لدي متابعين الأدب العربي نظراً لما كان يملكه العقاد من شعبية جارفه في الوسط الأدبي في هذه الفترة
فأراد أن يتقرب منه أملا في إعادة النظر في أوجه الخلاف بينهم وقام بتأليف كتاب مخصوص للعقاد
تحت عنوان قدمنا لكم هذا الكتاب المعقول في ظل رفضكم الدائم لمنطق اللا معقول ..
وكانت هذه حيلة ناجحه من الحكيم لتجنب غضب العقاد وعدم الإدلاء بأي تصريحات تؤثر على مواصلة كتابته في فن اللا معقول .. وبالفعل تبسم العقاد
وتقبل الهدية عندما رأي أن الكتاب مختلف تماما
عن الأشياء التي يرفضها في الأدب وأنه كتاب يتطابق مع أفكاره وتطلعاته الأدبية ..
ونجح الحكيم في طرح أفكاره القديمة الجديدة
وتجنب صراع الأدباء وكان محق في هذا الشأن

وأخيرا عن الأديب الكبير نجيب محفوظ
فهو تخلص من كل هذه الصراعات واتخذ لنفسه منهج
غير نمطي ففي ظل انشغال العقاد والحكيم في ترسيخ مفاهيم الأدب العربي لدي جموع القراء
كانت هناك مدرسة يتم تأسيسها علي أدبيات المقاهي
والخروج من صومعه المكاتب في الحجرات المغلقة
والاندماج في عالم المعقول وألا معقول في وقت واحد
فأخرجت لنا مقاهي نجيب محفوظ ابداعات في الأدب وكتابة المقالات والرواية فمن خلال تردده الدائم علي احدي العوامات على نهر النيل
قدم لنا رائعة ثرثرة فوق النيل وزقاف المدق ومئات الروايات والقطع الأدبية التي تحول معظمها بعد ذلك إلي أعمال فنية من روائع السينما المصرية ومن خلال جلوسه على المقاهي الشعبية اكتسب خبرة الاندماج في الواقع البشري فأصبحت يوميات نجيب محفوظ علي المقاهي أكثر شهرة من يوميات الحكيم
في نائب في الأرياف
وكادت أن تهدد عرش سريالية العقاد ..
فعدم رغبة العقاد والحكيم في فكرة الجلوس على المقاهي والظهور في أماكن مفتوحة سمحت لمحفوظ التفرد بهذا العالم الغني بالواقع الأدبي
بمختلف الأشكال والأنماط فجعل عالم المقاهي
من نجيب محفوظ عملاقا يصعب اللحاق به

وقد استشعر توفيق الحكيم مدي الإبداع والتميز الذي حصل عليه نجيب محفوظ من خلال
طريقتة الفريدة في أدب المقاهي .
فقرر النزول إلى رغبة المعرفة وتلبية حالة الفضول
التي يشعر بها تجاه هذا النوع من الأدب
فقام بزيارات متكررة لنجيب محفوظ علي المقاهي التي كان يجلس عليها وإنشاء ما يسمي بصالون المقاهي
إلا أنه لم يدم هذا الأمر طويلا نظرا لارتباط الصورة الرمزية في أذهان الناس عن أدب المقاهي بنجيب محفوظ وعدم تقبل اللتصاق شخصية أخري بها

ورغم اختلاف العظماء الثلاثة في طريقة تناول الأدب العربي الحديث إلا أنه سوف يظل العقاد والحكيم
ومحفوظ لوحة إبداع فنية محفورة فوق جدران
تاريخ هذه الأمة ونهر لا ينضب من الابداع والمعرفة
فعندما يرحل الجسد تظل الفكرة حاضرة دائما
في نفوس الشعوب
فلهم منا كل الاحترام والتقدير والامتنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى