مقالات

مقال بعنوان : المادية المسرفة وفقدان الذات.

بقلم اد.عادل القليعي، أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان.

تظنون ما الذي يفقد الإنسان بما هو كذلك ما الذي يفقده ذاته وشخصانيته، حتي يصبح كريشة في مهب الرياح تذر في فضاء متماد لا نهائية له، غارقا في بحور لجية مظلمة، حالكة الظلام، لا يستطيع أن يلتفت يمينا أو يسارا، إذا أخرج يده لم يكد يراها.
وإذا حاول العودة لا يستطيع، لماذا؟! لأنه سيطرت عليه الأهواء والشهوات، بكل مسمياتها وبكل خصائصها، سيطرت عليه نزعات مادية، سواء نزعة الشهوة، شهوة الجنس، فغدا غدوا حثيثا للافراط في إشباع هذه الشهوة دونما ترويض لها ودونما تهذيب لنفسه، فبات حيوانيا شهوانيا، وقس على ذلك شهوة جمع المال، فأصبح لا يتوخي حذرا في جمعه، من حلال أو من حرام لا فرق عنده بينهما، وأيضا شهوة الجاه والسلطان تحول الإنسان إلي ذئب يتحين الفرص لينقض على بني جلدته، فأصبح يتفنن في حياكة المؤامرات من أجل تحقيق مآربه.
كل ذلك أفقد الإنسان هويته وبات كل همه ودأبه وديدنه تحقيق هذه الأغراض، التي قد تغرق الإنسان في دوامة الوهم وتجعله يظن ظن السوء أنه حقق ذاته.
لكن هل هذه المادية تحقق للإنسان ذاته، هل ما نحلم به ونصبو إليه وكان جل حلم الفلاسفة، كن ذاتك، صر ذاتك، فكيف يتحقق فعل الكينونة هذا، كن ذاتك، صر ذاتك، كيف نتحول من هذه المادية العبثية إلي إثبات الشخصانية الحقيقية لا الشخصانية المتلونة المتحولة العطبة المصابة بالمراهقة الفكرية التي أرهقتها من أمرها عسرا، فأصبحت لا تستطيع أن تميز بين الصواب والخطأ، الحق والباطل، إلي أي الاتجاهات تميل، وأي الأفكار تعتنق، لا يهمنا، تعتنق ماذا، فتلك حرية عقلية، المهم لا تتأرجح يمينا ويسارا.
إذا استقراءنا تاريخ الإنسانية أو بمعني أدق ما أتيح لنا التعرف عليه من تاريخ الإنسانية، فالتاريخ سيال متدفق عبر الأزمنة والكلمة الأخيرة لم يقلها جيل بعينه، بل يأتي اللاحق فحاول أن يجدد ويطور، وهكذا حياتنا علي سطح البسيطة المعمورة.
إذا استقراءنا تاريخ الفكر الفلسفي بدءا من حضارات الشرق القديم، نعم كانت هناك نزعات مادية، لكن ليست ببشاعة المشهد الحالي، لكن كان هناك على الجانب الآخر من ينادي بالعود الأحمد إلي الأنسنة، فنجد على سبيل المثال كونفشيوس، نجده يحدثنا عن عدم الإسراف والمغالاة وطرح الأنا والعيش المتعقل مع الواقع والعود إلي الذات عن طريق وسط أخلاقي لا نميل إلي جانب علي حساب جانب آخر، فلا ننغمس في الملذات والشهوات بالكلية و كذلك لا نفني أعمارنا دونما أن نتمتع بمتاع الحياة الدنيا وزينتها.
قس على ذلك سقراط وأرسطو وأفلاطون والأفلاطونية المحدثة أفلوطين وتلاميذه وحديثهم عن السعادة، فجميعهم ذهب إلي القول ليست السعادة في الجاه ولا في الجمال ولا في المال، مفرقين بين اللذة والسعادة، فاللذة تزول بزوال المؤثر، أما السعادة فتبقي غير زائلة.
لكن في نفس الوقت لم يغالوا في الزهد وحرمان النفس بل ونتفق معهم في هذا القول، إذا ما خير الإنسان بين الصحة والمرض فسيختار عقلا الصحة، بين الغني والفقر، بالضرورة سيختار الغني، لكن الإشكالية في كيفية تحقيق هذا الأمور.
نعم بالسعي والجد والإجتهاد دونما إفراط أو تفريط، فليس من المنطقي أن يفني الإنسان عمره في ذلك، وليس من التعقل أن يمضي المرء معظم حياته زاهدا متقشفا ظنا منه أنه يرضي ربه ويعتزل الناس ويعيش حياة جافة تعيسة بئيسة يعاني خلالها حرمانا يفقده إنسانيته ويصيب الإنسان الكامن بداخله بالضيم.
حتي من دعي إلي ذلك من المدارس الفلسفية تخفف من حدة الجانبين، اللذوي، والتقشفي، فها هو أبيقور أمام اللذويين يتخفف من الأسراف في إشباع اللذة وينهي حياته متعبدا زهدا لا يأكل إلا ما يقوت بدنه.
وكذلك زينون الرواقي الذي كان مدرسة في الزهد، ينهي حياته داعيا إلي السعادة الحقيقية التي هي العيش وفقا للطبيعة العقلية داعيا إلي سلام وسلم عالميين ووحدة للجنس البشري دونما عنصرية، دونما مغالاة أو إفراط أو تفريط.
كذلك الأمر عند فلاسفة العصر الوسيط سواء فلاسفة الإسلام أو فلاسفة المسيحية أو اليهودية دعوتهم جميعا عدم المغالاة لا إسراف محاولين قدر استطاعتهم أن يوفقوا بين معطيات عقولهم، وثوابتهم التي قررتها كتبهم المقدسة، وهذا ما فعله الكندي في رسالته رسالة الحيلة في دفع الهم والحزن، وكذلك الفارابي في كتابه التنبيه علي سبيل السعادة، وأيضا ابن رشد في كتابه المدينة الفاضلة، ومن قبله ابن طفيل، ومن قبلهما ابن باجه، الجميع يدعوا دعوة واحدة وعقولهم تنتهج منهجا واحدا مع تفاوت في الآراء، الجميع يسبح تسبيحا واحدا لا تقتلوا إنسانيتكم، ولا تسرفوا ولا تقتروا، وإنما عليكم بالوسطية والإعتدال في كل شيئ.
وإذا ما تركنا هؤلاء ووجهنا بويصلة عقولنا إلي فلاسفة العصر الحديث، وخصوصا توماس هوبز الذي وصف وصفا لا يستحقه- فمشكلتنا أننا ننظر إلي أول كوب الماء ولا نتعمق داخله، فلا نري الحقيقة كاملة- وصف بإمام الماديين، كل ذلك لأنه قال أن الإنسان أناني بفطرته، وتجاهل من وصفه بهذه الصفة، قوانينه الأخلاقية التي أقرها، نشر السلام، إبرام الاتفاقيات والعهود، التسامح، الإحسان، رجل يقول هذا الكلام أصفه بهذا الوصف، أليست هذه القوانين أحياء للشخصانية والذاتية، أليست هذه القوانين تعود بالإنسان سيرته الأول وتعود به من غربته التي فرضها علي نفسه دونما إعمال لعقله، غربة داخل جسده، مغتربا عن وطنه الأعظم ذاته وشخصيته.
وأنت يا إنسان العصر، أما آن الأوان أن تعود عودا أحمدا إلي ذاتك، إلي هويتك الحقيقية، إلي ذاتك المفكرة.
أما آن الأوان أن تفكر في مستقبلك الوجودي، وجودك، حياتك، ذاتك، كينوتك لا تكونك، ماذا تريد، وكيف السبيل إلي تحقيق مرادك.
أين أنت من مشاعرك، عواطفك، قيمك، وجدانك، أما آن الأوان أن تحيي قيم الحب بداخلك، أليست كل هذه الأمور التي يظن البعض أن دوامة الحياة أفقدتها رونقها وبريقها ولمعانها، وأن عجلة قطارات العمر ستمضي، نعم ستمضي، لكن تمضي ونحن ركوب بداخلها، أم تمضي وتمر علينا فتدهسنا،اختر لنفسك، تريد أن قائدا، أم تريد أن تكون مقودا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى